الشيخ محمد رشيد رضا
152
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الدين . فإذا ذلك كذلك فلا حاجة بأحد إلى قياس ولا إلى رأي « 1 » ولا إلى رأي غيره ونسأل من قال بالقياس هل كل قياس قاسه قائس حق أم منه حق ومنه باطل ؟ فان قال كل قياس حق أحال ، « 2 » لان المقاييس تتعارض ويبطل بعضها بعضا ، ومن المحال ان يكون الشيء وضده من التحريم والتحليل حقا معا . وليس هذا مكان نسخ ولا تخصيص كالاخبار المتعارضة التي ينسخ بعضها بعضا ويخصص بعضها بعضا . وان قال : بل منها حق ومنها باطل . قيل له فعرفنا بماذا يعرف القياس الصحيح من الفاسد ؟ ولا سبيل لهم إلى وجود ذلك وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس من الباطل منه فقد بطل كله ، وصار دعوى بلا برهان . فإن ادعوا أن القياس قد أمر اللّه تعالى به ، سئلوا أين وجدوا ذلك ؟ فإن قالوا قال اللّه عز وجل ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) قيل لهم ان الاعتبار ليس هو في كلام العرب الذي نزل به القرآن إلا التعجب « 3 » قال اللّه تعالى ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) * أي تعجبا ، وقال تعالى ( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) أي عجب . ومن الباطل أن يكون معنى الاعتبار القياس ، ويقول اللّه تعالى لناقيسوا ، ثم لا يبين لنا ما ذا نقيس ،
--> ( 1 ) لعل الأصل : ولا إلى رأي نفسه . والا لاستغنى عن قوله . ولا إلى رأي غيره ( 2 ) أحال - أتى بالمحال الذي لا يقع ( 3 ) هذا الحصر ممنوع فالتعجب أبعد ما ذكره أهل اللغة ( كصاحب القاموس ) من معنى الاعتبار . والصواب أن معناه في الآية الاتعاظ . وأصل المعنى لمادته التجاوز والانتقال ، ولكن لا يدل شيء من صيغها على هذا القياس الأصولي بحال من الأحوال ، كما حققه الإمام الرازي في المحصول ، وتبعه الشوكاني في ارشاد الفحول